لعب على حافة الحرب جوني منيّر الخميس, 11-حزيران-2026 بدءاً من هذه الليلة يبدأ الكرنفال الكروي الذي يشغل الكرة الأرضية
لعب على حافة الحرب
جوني منيّر
الخميس, 11-حزيران-2026
بدءاً من هذه الليلة يبدأ الكرنفال الكروي الذي يشغل الكرة الأرضية مرّة كل 4 سنوات. لكنّ الحرب المتقطعة الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد تحجب متابعة هذا الحدث العالمي، وحيث ستجري بعضاً منه على الأراضي الأميركية. فعلى رغم من مشاركة فرق عربية في هذه البطولة، بالإضافة إلى الفريق الإيراني، إلّا أنّ الحماوة الحربية آخذة في التصاعد على حساب المسار التفاوضي المجمَّد. ويكاد يكون لبنان البلد الوحيد الذي منعه سوء طالعه من الإستمتاع أكثر من مرّة بمتابعة هذا المهرجان الكروي. وهذا ما حصل بشكل خاص مع بداية الحرب عام 1978، ولاحقاً مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكذلك خلال الحرب الشرسة عام 1990.
كادت المواجهات الحربية المحدودة التي حصلت، أن تدفع بالأوضاع مرّة جديدة إلى أتون الحرب المفتوحة، مرّة بين إيران وإسرائيل، ومرّة أخرى بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. وكان واضحاً أنّ طهران كانت قد رفعت من مستوى جرأتها العسكرية خلال الأسابيع الماضية، مع الردّ الذي كانت تقوم به بعد استهداف الطائرات الأميركية لأهداف في نطاق مضيق هرمز. والردّ الإيراني كان يأخذ طابعاً قوياً، وهو ما حصل مع مطار الكويت وأهداف أخرى في البحرين. وبدا أنّ إيران تعيد تموضعها بهدف إعادة امتلاكها لزمام المبادرة العسكرية. وهذا السلوك الإيراني دفع للإستنتاج بأنّ طهران باتت تنتهج استراتيجية جديدة مختلفة تماماً عمّا عُرِف بسلوك «الصبر الإستراتيجي»، الذي كان قائماً خلال العقود الأربعة الماضية. ذلك أنّ إعادة التقييم لمرحلة الحرب الماضية، وأسباب وصول القنابل والحرب إلى قلب إيران، أظهرا أنّ أحد أبرز الأخطاء كان في اعتماد هذه الإستراتيجية، ما شجّع أعداء إيران لاستسهال ضربها في شكل مباشر. وجرى الإستناد إلى واقعتَين أساسيّتَين: الأولى، عند تنفيذ المخابرات المركزية الأميركية عملية اغتيال قاسم سليماني في العراق، الذي كان يُعرَف بمهندس «محور المقاومة»، وجاء الردّ الإيراني ضعيفاً جداً على رغم من الخسارة الكبيرة. والثانية، مع اغتيال «محور المحور» أي السيد حسن نصرالله، حين لم تتحرَّك إيران، ما شجّع واشنطن وتل أبيب على استهدافها بعد وقت قصير.
وخلال الأسابيع الماضية، تأرجحت المفاوضات الأميركية - الإيرانية بين هبّات باردة وأخرى ساخنة. وفيما كانت «نصائح» رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم الركون للمرونة الشكلية الإيرانية ووَهم إنجازها الاتفاق، كانت طهران تشتكي كثيراً من عدم ثقتها بالنوايا الحسنة والصادقة لواشنطن وتل أبيب على السواء. وشكّلت الساحات العراقية والغزاوية واللبنانية مساحة اختبار لكلا الطرفَين. ففيما تأخّر كثيراً قرار «نزع سلاح» حركة «حماس» في غزة وفق الإتفاق الذي كان جرى إقراره سابقاً، واجه تطبيق القرار في العراق تعقيدات في ظل رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها والإنصراف للعمل السياسي المدني. وهذا الرفض جاء من الفصائل المحسوبة مباشرة على إيران، على رغم من تجاوب الفصائل الشيعية التي لا ترتبط مباشرة بطهران. واعتبرت الفصائل المحسوبة على إيران أنّ سلاحها «مقدَّس»، وأنّه لن يُسلَّم إلّا للإمام المهدي فقط. وفي لبنان لم يكن المشهد مختلفاً مع تمسُّك «حزب الله» بعدم البحث بملف السلاح، لا بل بالتمسك بوحدة القرار مع طهران، على رغم من بعض التمايز الذي أبداه الرئيس نبيه بري.
وأهمّية ما ظهر يعطي الإنطباع بأنّ طهران ترفض التنازل عمّا تبقّى لها من نفوذ إقليمي، فيما جوهر الاتفاق الجاري التفاوض حوله يرتكز في أساسه على سلوك إيراني جديد، بعيد عن أي نفوذ عسكري في المنطقة، ما يعني إيران من دون مخالب إقليمية وسلاح نووي.
ووفق هذه الخلفية، ارتفعت السخونة فجأة لتلامس مستوى الحرب المفتوحة، مرّة عبر بيروت، ومرّة أخرى عبر مضيق هرمز، وهي الورقة القوية التي تمسك بها إيران، وتحسب من خلالها المدة التي تبقّت لانتهاء مخزون النفط العالمي.
إدارة ترامب أرادت من خلال العودة إلى الردود العسكرية القوية الضغط للوصول إلى اتفاق ثابت وطويل الأمد، يمنع طهران من استعادة قدراتها النووية والعسكرية. أي باختصار، اتفاق ينسج ثوب سلوك سياسي جديد ودور إقليمي مختلف لطهران. أمّا إسرائيل، فتخشى أن تستعيد طهران والقوى المتحالفة معها وعلى رأسهم «حزب الله»، زمام المبادرة العسكرية بعد أشهر من انتهاء الحرب. لذلك تدفع باتجاه إبقاء الضغط العسكري والسياسي مرتفعاً.
أمّا إيران، فترى من جهة أنّ واشنطن لا تزال تستخدم القوّة العسكرية لتحسين شروطها وموقعها التفاوضي وفرض رؤيتها، ومن جهة أخرى تريد إثبات حضورها في لبنان، عبر إظهار أنّ قدراتها الردعية ما زالت قوية، كما أنّها قادرة على تحدّي واشنطن عبر تهديد مصالحها في المنطقة، وخصوصاً في منطقة مضيق هرمز.
ووفق ما سبق، فإنّ الضربات العسكرية لا تزال تبدو وكأنّها تدخل في إطار التفاوض على الحامي أكثر منه الإندفاع باتجاه استعادة منطق الحرب المفتوحة، ولو أنّ المسافة لم تعُد بعيدة أمام احتمال انزلاق الأمور نحو المجهول. لذلك من الأرجح استمرار الضربات المتبادلة المحدودة، وتوجيه رسائل عسكرية مدروسة ومحسوبة، أي اللعب على حافة الهاوية، لكن من دون الإنزلاق إلى أتون الحرب من جديد. لكنّ هذا السلوك محفوف بالمخاطر المرتفعة، والمسار لا يكون مضموناً بالعادة. طبعاً فإنّ البيت الأبيض يطمح إلى أن يؤدّي هذا السلوك المتهوِّر إلى إقرار الإتفاق الذي يريده. وثمة قول تاريخي للفيلسوف العسكري البروسي كارل فون كلاوزيفتر مفاده، أنّ الحرب هي امتداد للسياسة ولو بصيغة أخرى. لكن هنالك مَن يقول أيضاً أنّ الفرق ما بين حسابات الحرب والسلم فاصلة. وهو ما يؤشر إلى خطورة الأوضاع الحالية. ولذلك فإنّ احتمال الإنتقال فجأة إلى الحرب الواسعة يصبح مرجَّحاً، وهو ما سيؤدّي في حال حصوله إلى استهداف المنشآت النفطية وباب المندب وكذلك منشآت الطاقة والبنى الحياتية في إيران. باختصار، سيكون الوضع جنونياً عبر الإنتقال إلى مستوى حربي أعلى ممّا شهدناه.
وفيما يراقب نتنياهو تطوُّر الأوضاع على الجبهة الإيرانية، فهو يعمل على رفع مستوى الحماوة على الساحة اللبنانية. وهو يهدف لتعزيز أوراق الضغط الميداني بيده، وللتأكيد على الفصل الكامل بين الجبهتَين اللبنانية والإيرانية، قبل الذهاب إلى جولتَي تفاوض جديدة مع لبنان واحدة ديبلوماسية وثانية عسكرية. وفي تصعيدها العسكري خلال الأيام الماضية، بدا أنّ إسرائيل تركّز على صور والنبطية، وكلاهما تضمّان قاعدة شعبية موالية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ما زال يرفع شروطاً أمام النتائج التي تمخّضت عنها الجولة التفاوضية السابقة. وصور تمثل البوابة الساحلية للجنوب الشيعي ومركزاً إقتصادياً رئيسياً. أمّا النبطية، فتُعتبَر مركزاً إدارياً وسياسياً وخدماتياً للداخل الجنوبي. بالتالي، فإنّ الضغط عسكرياً عليهما يحمل رسالة إسرائيلية، بأنّها قادرة على توسيع نطاق الضغط بعيداً عن المنطقة الحدودية. وفي المقابل، وجَّه «حزب الله» رسالة صاعقة إلى إسرائيل، عبر نجاح عنصرَين مسلّحَين باختراق الحدود، ما حمل رسالة قوية بالقدرة على تهديد أمن المستوطنات الشمالية من البرّ وليس فقط من الجو.
وعلى رغم من كل هذه الحماوة، فإنّه لا توجد بعد مؤشرات حقيقية وواضحة لدى إسرائيل بالسعي لاحتلال مدن كبيرة مثل صور والنبطية، لأنّ الكلفة العسكرية والسياسية ستكون مرتفعة. وهو ما يرجّح استمرار الحرب المنخفضة، أي على مستوى الغارات والإستهدافات المحدَّدة، في موازاة استمرار الضغوط الأميركية للدفع في اتجاه ترتيبات أمنية جديدة، وتجنُّب انفلات الوضع باتجاه الحرب الشاملة، بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية - الإيرانية. لكن إذا انهارت الأوضاع على الجبهة الإيرانية، فعندها ستستغل إسرائيل الفرصة لفرض واقع جديد على لبنان.
من هذه الزاوية، يشعر الرئيس بري بأنّ الوقت أصبح ضاغطاً، وأنّ منسوب الخطر يرتفع. فهو يعاين يومياً مدى الأثمان الباهظة التي دفعها الجنوب والبيئة الشيعية تحديداً، خلال حروب السنوات الأخيرة. لذلك يبدو أكثر ميلاً لتثبيت وقف النار وإيجاد مخرج سياسي للأزمة، بدلاً من ترك الأمور تنزلق باتجاه مواجهة مفتوحة جديدة. لكنّه يريد تسوية تحفظ لـ»حزب الله» موقعه السياسي مقابل تخفيف التوتر العسكري.
من هنا، يمكن الإستنتاج أنّ بري لا يرفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنّه يحاذر من أن يتحوَّل إلى مسار تطبيع سياسي أو اتفاق منفصل يجري فرضه على لبنان من موقع الضعف، وهو ما سيجعل الشيعة يدفعون ثمنه. لذلك يتمسك بوقف كامل لإطلاق النار ولانسحاب إسرائيلي وفق برنامج زمني محدَّد وواضح، وربط أي ترتيبات أمنية بمكاسب لبنانية واضحة.
ومن خلال قراءة موازين القوى الحالية، فقد يكون يخشى أن تنجح واشنطن وتل أبيب في فرض ترتيبات ستكون على حساب البيئة الشيعية، أو أن تنهار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، فتتحوَّل الساحة اللبنانية مجدّداً إلى صندوق بريد للصراع الكبير المدمِّر. لذلك يعمل بري لأن يتحرَّك بين حدَّين متوازيَين: الأول، وهو بالمحافظة على تحالفه مع «حزب الله». والثاني، عبر دفع الحزب والسلطة لنسج بروتوكول جديد يمنع حرباً جديدة ويعيد جزءاً من القرار إلى المؤسسات اللبنانية.
وبخلاف الرهان الخارجي، وتحديداً الأميركي، فإنّ بري لن يذهب لفك ترابطه مع «حزب الله» أو مواجهته، لكنّه في الوقت نفسه لا يبدو مستعداً لخوض حرب طويلة من أجل الحسابات الإيرانية. فهو يفضِّل تسوية تحفظ نفوذ الثنائي داخل الدولة كبديل لاستمرار الصراع المفتوح.
ووفق الحلقة القريبة، فإنّ بري يعيش قلقاً دائماً من شروع إسرائيل في تهديم وجرف القرى والبلدات الجنوبية، وهو يتساءل دائماً عمّا إذا كان الهدف المخفي منع عودة الأهالي وخلق واقع ديمغرافي آخر. وكان لافتاً أنّ تواصل بري مع طهران بات أكبر ممّا كان عليه في الفترات السابقة، وتحديداً خلال وجود حسن نصرالله في قيادة الحزب. وقد يكون السبب أنّ الظروف الحالية جعلت القيادة العسكرية في الواجهة داخل «حزب الله» على حساب القيادة السياسية. ولذلك كان قد عزّز تواصله مع علي لاريجاني، الذي كانت تربطه به صداقة قوية قبل أن يجري اغتياله. لكنّه عَمَد بعدها إلى تعزيز علاقته مع رئيس مجلس النواب الإيراني علي باقر قاليباف، بالإضافة إلى بناء علاقة جديدة بوزير الخارجية عباس عراقجي. وقد يكون يحاول من خلال ذلك، نقل المخاطر الموجودة التي يراها من زاويته، والمبنية على خبرته الطويلة والزاخرة بالأحداث طوال العقود الخمسة الماضية.
من المقرّر أن تُستأنف المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية بشقَيها الديبلوماسي والعسكري في 22 من الشهر الجاري. وتعوِّل واشنطن على تحقيق تقدُّم ملموس لم يحصل خلال الجولة السابقة. وكان لافتاً ما وصل إلى بيروت، بأنّ مسودة الموازنة الأميركية للعام المقبل لحظت انخفاضاً في بند المساعدات العسكرية للبنان وصلت إلى حدود 35 مليون دولار فقط. فهل ما يكون قد تسرَّب يهدف للضغط مسبقاً على القرار العسكري اللبناني لتعديل موقفه خلال المفاوضات؟ كل التفسيرات ممكنة.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها